تقديم كتاب "فصول من حياة المجاهد عبد الكريم الخطابي" لمؤلفه: ذ. المنصوري بنعلي

image

  محمد لمرابطي


    كتاب "فصول من حياة المجاهد عبد الكريم الخطابي" ألفه الأستاذ المنصوري بنعلي، وقامت بنشر هذا العمل الفريد والمتميز مؤسسة عبد الكريم الخطابي، التي ترأسها في المرة الأولى عند تأسيسها المشمول برحمة الله الواسعة، السيد سعيد الخطابي، وبعد انتقاله إلى جوار ربه، آلت رئاستها إلى شقيقته، نجلة المقاوم والمجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي السيدة الفاضلة عائشة الخطابي: رمز من الرموز البارزة بمنطقة الريف وعضوة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وهي أصغر بنات عبد الكريم الخطابي، ولدت سنة 1942 في جزيرة "لارينيون" بالمنفى التي قضت فيها أيام طفولتها الأولى مع أسرتها.
والكتاب عبارة عن حوار شيق ومفيد، يتضمن أسئلة وأجوبة حول قضايا كبرى عاشها الريف المغربي، الذي تركت وقائع أحداثه بصمات واضحة في تاريخ المغرب المعاصر بشكل عام والريف على وجه الخصوص، وقامت جريدة "المساء" مشكورة بإجراء هذا الحوار، ويبلغ عدد صفحات الكتاب مائتين، وتولت دار أبي رقراق للطبع عملية إصداره ونشره.

وإلى جانب الحوار الذي وسم الكتاب برمزيته وطابعه الخاص، ضم في نهايته أيضا أجزاء مهمة  عبارة عن ملاحق ومذكرات ووثائق، وصورا ذات قيمة تاريخية ثمينة، تعكس مختلف الأوضاع التي تقلبت فيها حرب التحرير الريفية، والظروف الصعبة التي عاشتها عائلة الخطابي، ومشاهد رئيسية من سياستنا الوطنية في الموضوع، وموجزا من حياة البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي، بقلم الأستاذ المنصوري بنعلي، والمقال القيم والغني لأستاذنا المقتدر علي الإدريسي حول "دور حرب التحرير الريفية، في التحرر من أوهام الاستعمار الأوروبي" ثم ورقة تعريفية لمؤسسة عبد الكريم الخطابي أعدها الأستاذ المنصوري بنعلي.
وقد قدم للسيدة الفاضلة عائشة الخطابي ما يزيد عن مئة سؤال من قبل جريدة المساء المحاورة، واتسمت الإجابات الصادرة عنها بالدقة المتناهية في الوضوح والصراحة وبعد النظر، وغيرتها الكبيرة على الوحدة الوطنية لبلدها المغرب، وعلى الإرث التاريخي للريف الذي يشكل محورا رئيسيا وهاما في تاريخ المغرب المعاصر، وانصبت أولى إجاباتها حول الباخرة "كاتومبا" التي كانت تقلهم في اتجاه فرنسا، التي اعتبرتها باخرة مدنية، لكون والدها رفض أن يركب الباخرة الحربية التي تنقل المنفيين سياسيا، وهذا له دلالته الخاصة المفهومة.

كما أوردت أيضا في معرض جوابها كلمة عظيمة قالها والدها قبل تحقيق النصر في معركة أنوال سنة 1921 بخصوص تخوف البعض من عودة الخطابي ورغبتهم في أن يبقى بعيدا: "أنا لا أريد أن أكون أميرا ولا حاكما، وإنما أريد أن أكون حرا في بلد حر، ولا أطيق سلب حريتي أو كرامتي "، أما بعد الانتصار فقال رحمه الله في اجتماع مع رجال الريف الذين تقاطروا عليه بأعداد كبيرة يريدون إعلانه سلطانا، قولته الشهيرة:" لا أريدها سلطنة ولا إمارة ولا جمهورية ولا محمية، أريدها عدالة اجتماعية ونظاما عادلا يستمد روحه من تراثنا".

وحول مصير أملاك عبد الكريم بالمغرب بعد حلوله بمصر رفقة عائلته ورجوع بعض أفرادها الى المغرب عقب وفاته، أشارت إلى أنه " بعد اللقاء الذي جرى بين الملك محمد الخامس والمجاهد عبد الكريم في القاهرة سنة 1960، قرر في تلك الفترة الملك محمد الخامس أن يخصص للمجاهد معاشا استثنائيا وتقوم وزارة الداخلية بتسليم كل ممتلكات العائلة التي استرجعتها من المستعمر بعد الاستقلال إلى عائلة عبد الكريم بما فيها المقر في أجدير، والتي كانت تستعملها وزارة الداخلية كقيادة تابعة لها في المنطقة، إلا أنه في سنة 1963 قامت الحكومة آنذاك بتجميد قرار الملك الراحل محمد الخامس.
وبفضل تدخل السيد المنصوري بنعلي في الثمانينات مع المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه الذي أعطى أوامره السامية لوزير الداخلية آنذاك السيد إدريس البصري لكي تسترجع العائلة أملاكها، وبقيت العائلة تنتظر لمدة خمس سنوات، وبمتابعة خاصة من طرف السيد المنصوري بنعلي مع وزير الداخلية اتصل بنا مجددا السيد المنصوري وطلب من أخي المرحوم سعيد أن يذهب الى عامل الحسيمة ليسترجع بناية القيادة التي كانت بحوزة وزارة الداخلية، والتي قررنا مؤخرا بأن تصبح مقرا لمؤسسة عبد الكريم الثقافية والعلمية والاجتماعية بأجدير إقليم الحسيمة".

ووجه إليها أيضا سؤال بخصوص مذكرات الأمير الخطابي التي لم تر النور إلى اليوم رغم مرور 48 سنة على رحيل المجاهد ورحيل نجله سعيد أيضا في الآونة الأخيرة، فكان جوابها أن المذكرات موجودة بالقاهرة، وهي بحوزة أنجال المرحوم سعيد الخطابي، وهي عبارة عن أوراق مكتوبة بخط اليد وأخرى بالآلة الكاتبة وأنها تفكر مليا في إخراجها إلى حيز الوجود، لكن لابد من الاعتراف بأن هناك إهمالا من طرف العائلة يحول دون تحقق  ذلك، وتعتقد بأن على عائلة الخطابي المتمثلة في أبنائه الذين مازالوا على قيد الحياة، وحفدته في المغرب ومصر، بأن تجتمع للشروع في عملية قراءة المذكرات وتمحيصها ودراسة الطرق الملائمة لنشرها، لأنها في نظرها ليست ملكا لعائلة الخطابي وحدها، بل هي ملك لكل المغاربة ولكل العالم، ولذلك فهي تتوجه بدعوة من هذا المنبر الى حفدة الخطابي خاصة الشباب منهم بأن يسرعوا الى نشر المذكرات، حتى تجد طريقها الى المكتبات ويطلع عليها المهتمون والباحثون.

وفي سياق الإجابات التي كانت تقدمها لسائلها، تطرقت أيضا إلى عرض شراء المذكرات كان قد تقدمت به شخصيات أمريكية من عالم التأليف ومؤرخون وسينمائيون أرادوا أن يحولوا المذكرات إلى عمل سينمائي، خلال حياة الوالد، كما أنهم كرروا نفس الطلب بعد وفاته في فبراير 1963 ، لكننا لم نقدم على بيعها بالرغم من أن الثمن الذي قدموه كان مغريا، وهو 500 ألف دولار أمريكي، فضلا عن عائدات حقوق التأليف لمدة أربعين سنة، فالمبلغ كان مغري وكبيرا، خصوصا بالنسبة لمن كان يمر بنفس وضعيتنا المادية، ولكن رفضنا، بسبب اقتناعنا بأن المذكرات ملك لنا، ونحن من له الحق في نشرها.

وأجابت أيضا عن سؤال إصرار الملك محمد الخامس على السلام على بنات وأبناء الخطابي، وأنها المرة الأولى التي يتم فيها خرق عرف آتبعه الوالد،لأنه كان يحرم علينا السلام على أي كان حتى ولو كان ملكا، وحينما طلب الملك محمد الخامس رحمه الله رؤيتنا، دخلنا الواحدة تلوى الأخرى، بعد أن كان قد أمر مرافقيه من الوزراء وأعضاء الوفد بالخروج من القاعة باستثناء الأمير مولاى عبد الله، فسلم علينا وضمنا إليه وقال لنا "بناتي نتمنى تدخلوا للمغرب هذيك بلادكم .. دقوا باب القصر وقت ما بغيتو" كان الملك محمد الخامس لطيف معنا، وأهدى إلى أبناء الخطابي الذكور 50 قطعة ذهبية من نوع "لويزة" و25 قطعة لكل واحدة من البنات وأهدى الوالد جلابيب و"بلاغي" وأثوابا وهدايا أخرى...

وبخصوص عودة رفات والدها الأمير عبد الكريم إلى المغرب...من بين ما ذكرته، قولها:"أظن أنه في الظرفية الراهنة التي تتميز باهتمام جلالة الملك محمد السادس نصره الله بمنطقة الريف، وبمبادرة من جلالته وبعيدا عن كل ما يمكن أن تستغلة بعض الأطراف سياسيا، أظن أن العائلة لا ترى مانعا  إذا بادر صاحب الجلالة بالقيام بجنازة رسمية تليق بمقام والدي المجاهد.

وبشأن السؤال الذي وجه لها حول كتاب الباحثة زكية داوود: " عبد الكريم ملحمة الذهب والدم" قالت السيدة الفاضلة عائشة، أنها بذلت مجهودا كبيرا لإصدار كتابها، حيث اتصلت بالعائلة لتزويدها بالعديد من المعطيات والوثائق، ونظمت رحلات إلى بريطانيا وفرنسا من أجل الإطلاع على مزيد من الوثائق التاريخية، وعلى مستوى التقييم فإنها تعتبر الكتاب جيدا، ولكن تستدرك بكونه تضمن وقائع غير صحيحة من خلال ادعائها أن عبد الكريم الخطابي عرض على الجيش الفرنسي أن يشارك إخواني إلى جانب الفرنسيين في الهند الصينية، وهو ما يخالف الحقيقة  المتمثلة في رفضنا هذه الفكرة رفضا قاطعا.

وعن كتاب "أصول حرب الريف" لمؤلفه جرمان عياش الذي اتهم الأمير عبد الكريم بانتحال النسب الشريف لكي يعزز ادعاءاته في السلطنة، وقد أجابت بنت المجاهد عن هذا السؤال بكون كتاب المؤرخ جرمان عياش تضمن مغالطات وادعاءات كثيرة، من بينها أن عبد الكريم الخطابي انتحل نسبا شريفا ليعزز ادعاءاته في السلطنة، وهو الادعاء الذي فنده الملك محمد الخامس في أحد خطاباته بمدينة الحسيمة، وكذلك فعل علال الفاسي في كتابه: "الحركات الاستقلالية  في المغرب العربي"، فالوالد لم يدع انتسابه إلى الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب بل هو لقب ورثه الوالد عن أجداده، وبحسب قبائل الريف، فإن هذا اللقب يعود إلى .. آيث خطاب" المنتمية إلى قبيلة آيث ورياغل.

وحول سؤال المصالحة، أجابت أنه إذا كانت المصالحة الحقيقية تتجسد في إنهاء سياسة التهميش ضد منطقة الريف، وإدماجها اقتصاديا وإداريا، فإن ما تعرفه المنطقة يجعلني أقول إن التصالح مع الريف قد تحقق، إذ لا أحد يمكنه إنكار ما عرفته منطقة الريف في السنوات الأخيرة من تطورات ومشاريع  تنموية كبرى وتقدم كبير في كل المناحي، منذ أن بدأ الملك محمد السادس يزور المنطقة، وهو ما أعطاها دفعة قوية، وإقلاعا اقتصاديا حقيقيا، وجعلها وجهة سياحية بامتياز، ويكفي القول أن الريف أصبح في السنوات الأخيرة يتوفر على بنية تحتية مهمة، تهم مطارات وموانئ، ومجموعة من المعاهد العليا، ومستشفيات، ومناطق صناعية، بالإضافة الى شبكة طرقية هامة، وما ينقص الآن هو الطريق السيار بين الحسيمة وفاس الذي يتعين ايلاؤه كبير اهتمام لاستكمال مشاريع فك العزلة عن الريف.

وتطرقت أيضا الى استقبال الماريشال أمزيان في بيت والدها بالقاهرة، وكان اللقاء مؤثرا حيث كانت المحادثات حول الظروف الخاصة التي مر بها الماريشال أمزيان... والظروف التي عاشها المغرب بين 1900 و1920 وبصفة خاصة منطقة الريف التي عرفت ما يسمى بالفوضى والسيبة لانعدام السلطة، والتي ساهم فيها كثيرا المسمى الروكي (بوحمارة).

وذكرت في إجاباتها أن والدها المجاهد كان رجلا زاهدا في الدنيا الى درجة أنه أنفق كل ما كانت تملكه يداه على طلاب العلم، ودعم المقاومة في بلدان المغرب العربي وفلسطين، وكان لا يحب أن يعيش فوق مستوى معيشة الناس العاديين، وهو ما دفعه الى رفض الاستقرار في القصر الذي أسكنه فيه الملك فاروق سنة 1947 بالقاهرة.

وعن سؤال ما الذي تركه لكم الأمير الخطابي؟ أجابت: ترك لنا الشرف والنصر والعز، وهي من أهم الأشياء التي لا يمكن أن يدركها المرء بسهولة، فأينما حللنا وارتحلنا سواء في المغرب أو مصر نحظى بتقدير الناس ومحبتهم واحترامهم، وسعيهم لخدمتنا.

وذكرت أنها لا تزال تحتفظ بأربعة جلابيب كان يرتديها خلال قيادته حرب الريف و" بيرية" صغيرة كان يستعين بها ليقي رأسه من البرد القارس، ونطاراته الطبية التي كان يرتديها ليلة تلبيته لنداء ربه في فبراير 1963، لكن للأسف تكسرت بعض الشيء، ونسخة من كتاب:"دليل الخيرات" لمؤلفه محمد بن سليمان الجزولي الذي كان يكثر من قراءته، وتذكر السيدة الفاضلة أن لقب مولاي محند كان من أحب الألقاب إلى نفسه...

وهكذا تنساب فقرات الكتاب بدلالاتها وعمقها الإنساني والتاريخي، بيد أن هذه مجرد نظرات مستوحاة من نظرة عامة عن الكتاب، حتى أن القارئ ليجد سهولة كبيرة في إنهاء قراءته، لاعتماده أسلوب الحوار المبني على ثنائية، سؤال /جواب، وتطلعه الى معرفة ما تبقى من حلقات الحوار، ومضامين الكتاب الأخرى بصوره ومقالاته الهامة.


Developpement: Ahmed Afkir | Conception : Adil Amghar